الشيخ محمد رشيد رضا

121

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وانظر حال أمة استهانت بالايفاء بالعهود ولم تبال بالتزام العقود تر كيف حل بها عذاب اللّه تعالى بالاذلال ، وفقد الاستدلال ، وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال ، فهم يعيشون عيشة الافراد لا عيشة الأمم : صور متحركة ، ووحوش مفترسة ، ينتظر كل واحد وثبة الآخر عليه ، إذا أمكن ليده ان تصل اليه ، ولذلك يضطر كل واحد إذا عاقد أي انسان من أمته أن يستوثق منه بكل ما يقدر ، ويحترس من غدره بكل ما يمكن ، فلا تعاون ولا تناصر ، ولا تعاضد ولا تآزر ، بل استبدلوا بهذه المزايا التحاسد والتباغض ، والتعادي والتعارض ( بأسهم بينهم شديد ) ولكنهم أذلاء للعبيد ( قال ) وقد أحصيت في سنة قضايا التخاصم في محكمة بنها فألفيت أن خمسا وسبعين قضية في المئة منها بين الأقارب ، والباقي بين سائر الناس . ولو كان في الناس وفاء ، لسلموا من كل هذا البلاء وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ قالوا إن البأساء اسم من البؤس وهو الشدة والفقر . والضراء ما يضر الانسان من نحو مرض أو جرح ، أو فقد محبوب من مال وأهل ، وفسروا البأس باشتداد الحرب . والصبر يحمد في هذه المواطن وفي غيرها ، وخص هذه الثلاث بالذكر لان من صبر فيها كان في غيرها أصبر ، لما في احتمالها من المشقة على النفس ، والاضطراب في القلب ، فان الفقر إذا اشتدت وطأته يضيق له الذرع ، ويكاد يفضي إلى الكفر . والضر إذا برّح بالبدن يضعف الاخلاق حتى لا يكاد المرء يحتمل ما كان يسر به في حال الصحة ، فما بالك بالمرض وآلامه وما يطرأ في أثائه من الأمور التي تسوء النفس ، وأما حالة اشتداد الحرب فهي على ما فيها من الشدة والتعرض للهلكة بخوض غمرات المنية يطلب فيها من الصبر ما لا يطلب في غيرها ، لان الظفر مقرون بالصبر ، وبالظفر حفظ الحق الذي يناضل من يجاهد في سبيل اللّه دونه ويدافع عنه ، ويحاول إظهاره ، ويبغي انتشاره ، وهذا هو المأمور من اللّه تعالى بالصبر حين البأس ، لا المحارب لطمع الدنيا وأهواء الملوك وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ان الفرار من الزحف من أكبر الكبائر وعبر عنه في بعضها بالكفر - فلا غرو أن يجعل الصبر في حين البأس أصلا من